إطارات السيارات.. كوارث وثروات

مجدي سعيد
يتم التخلص سنويا من إطار واحد لكل إنسان على وجه الأرض، أي أن العالم يشهد ميلاد كارثة بيئية متجددة سنويا، حيث إن الإطارات تحتوي على نسب من المعادن الثقيلة ومواد أخرى ملوثة للبيئة فقد ترشح منها السموم إلى المياه الجوفية إذا تركت فوق تربة رطبة، ويختلف تأثيرها الضار هذا على البيئة باختلاف مستوى الرقم الهيدروجيني (pH) وأحوال المياه والتربة المحلية.
كما أن بعض عمليات إعادة الاستخدام وإعادة التدوير قد تتسبب في زيادة مشكلة السمية البيئية وليس في حلها، وفي إحصائية لوكالة حماية البيئة الأمريكية تم تدوير 1.1 مليون طن فقط من 7.48 مليون طن من الإطارات المستعملة.
دورة حياة الإطارات
في العادة تمر إطارات السيارات بست مراحل في دورة حياتها:
-   تطوير وابتكار المنتج واحدوداب الإطارات وتشكيل مركباتها مما يزيد من عمر الإطار ويقلل الاستبدال ويؤمن سلامة المستهلك ويقلل النفايات.
-       التصنيع الأمثل وجودة تقديم الإطارات مما يقلل الفاقد عند الإنتاج.
-   التوزيع المباشر لدى تجار التجزئة، يقلل زمن الجرد ويضمن بيان العمر الافتراضي ومدى أمان المنتجات للمستهلك.
-       خيارات استخدام وصيانة المستهلك مثل إدارة الإطارات يقلل من تآكلها ويزيد من سلامة الاستخدام.
-   المصنعون وتجار التجزئة يضعون سياسات للاستعادة والاستبدال تقلل من النفايات الناتجة يفترض فيها تحمل المسئولية في اتخاذ قرار نقل الإطارات إلى مقبرتها أو التخلص منها.
-   إعادة تدوير الإطارات بتوليد إستراتيجيات لتحويل النفايات إلى منتجات جديدة مما يخلق فرصا لمشاريع قابلة للتنفيذ ويحقق السياسات العامة.
التخلص من "جثث" الإطارات
عندما ينتهي العمر الافتراضي لإطارات السيارات ولا يصبح إعادة استخدامها ممكنا يتم التخلص منها أو التعامل معها عادة بإحدى الطرق الآتية:
-   وضعها في مطامر النفايات: وذلك بوضع النفايات الصلبة في مقالب، يمكن أن تتحول مع الوقت وكبر الحجم إلى حدائق، لكن وضع الإطارات فيها يعد أمرا غير مرغوب فيه، نظرا لحجمها الكبير ولكون الفراغ يمثل 75% من أحجامها، وهو ما يستهلك مع الوقت مساحة الفضاء المخصصة للمطمورة، كما أن الإطارات يمكن أن تحتبس غازات الميثان التي يمكن أن تجعلها كالفقاعة التي تطفو إلى السطح، مما يتلف بطانات المقلب التي جعلت لمنع الملوثات أن تتسرب من المقلب إلى السطح أو المياه الجوفية.
-   تشوينها في مخازن أو مساحات فضاء: مما يتسبب في مخاطر على الصحة والسلامة، حيث يمكن أن تشتعل حرائق الإطارات بسهولة ومستمرة في الاحتراق عدة أشهر متسببة في تلوث كبير في الهواء والأرض، كما أن تلك الإطارات توفر مرفأ للهوام ومرتعا للبعوض مما قد يتسبب في نقل الأمراض.
-       إلقاؤها مبعثرة هنا وهناك: مما يتسبب في تلوث الوديان والغابات والصحاري ومساحات الفضاء.
-       استخدامها في إنتاج الأسفلت الساخن الذائب.
-       استخدامها في إنتاج أسمنت بورتلاند.
وهي طرق رغم شيوعها فإنها تساهم في تلوث البيئة، أما في أوروبا والبلاد المتقدمة فإنهم ابتكروا أساليب أخرى أقل شيوعا للتخلص من جثث الإطارات:
-   الموجات الصوتية: حيث تستخدم الموجات الصوتية عالية الشدة، ومع استخدام الضغط العالي والحرارة والطاقة الميكانيكية تتحول الإطارات إلى مادة جديدة شبيهة بالمطاط والتي يمكن معالجتها وإعادة صبها في شكل منتجات مطاطية جديدة.
-   الانحلال الحراري: وهو تكنيك مبتكر يستخدم آلية معينة لتسخين الإطارات المستعملة في بيئة مغلقة خالية من الأكسجين (موقد) لإذابة الإطارات إلى المواد المكونة منها.
-   المايكروويف: حيث يؤدي المايكروويف إلى استثارة المطاط حتى يتحول إلى الحالة الغازية ثم تكثيفه إلى العناصر المكونة للمطاط، ولا تنتج عن تلك العملية انبعاثات كما يمكن إعادة استخدام جميع المكونات.
طرق أكثر أمنا لإعادة التدوير
لعل أكثر الطرق أمانا في إعادة تدوير الإطارات هي تلك الطرق التي تستخرج منتجات أخرى من الإطارات في صورتها الصلبة باستخدام وسائل ميكانيكية، وهي أيضا من الوسائل التي تنتج نشاطا اقتصاديا وفرصا أكثر للعمل -أكثر من حرق الإطارات- خاصة إذا أخذت شكل مشروعات صغيرة، كما أنها تحد من تيار النفايات دون توليد تلوث مفرط أو انبعاثات ناتجة عن عمليات إعادة التدوير بالطرق الأخرى.
من بين تلك المنتجات ممصات الصدمات ومكافحات التآكل ومانعات مياه الأمطار ومصدات للأمواج لحماية الأرصفة ومماشي المواني والبحيرات وحواجز الصوت على الطرق، ومساكن، حيث إن هناك بيوتا كاملة يمكن أن تبنى من الإطارات الكاملة المحشوة بالتربة والمغطاة بنوع من الأسمنت يعرف باسم "إيرث شيبس" Earthships، كما تستخدم الإطارات بربطها معا في مجموعات لصناعة حواجز اصطناعية، والمجال واسع لاستخدامات أخرى تختلف باختلاف احتياجات وخبرات المجتمعات المختلفة.
تجربة كفر ميت الحارون
تقدم تجربة قرية "كفر ميت الحارون" -إحدى قرى مركز زفتى بمحافظة الغربية المصرية- نموذجا في هذا اللون الأقل تلويثا للبيئة من إعادة التدوير، وكما يقول أهل القرية فإن تجربتهم بدأت في الخمسينيات من القرن المنصرم حين سافر بعض أبناء القرية إلى شارع محمد علي في قلب القاهرة ليبدءوا أول عملية إعادة تدوير للكاوتش المستعمل، لكن اقتصر نطاقه على أعمال بسيطة كاستخدام قطع من الإطارات المستعملة لإصلاح الأحذية وتركيب نعال لها، ثم عادوا بعد سنوات من الغربة ليطوروا الاستفادة من الإطارات لصناعة المقاطف والقفف غير أنهم واجهوا مشكلة في احتياج المهنة إلى مجهود عضلي كبير.
لكن التطور حدث وسمح بانتشار هذه الصنعة بالقرية، وذلك حين حدث ابتكار آلة يدوية تدار بتروس تسمى "الونش" تستخدم لاستخراج شرائح الكاوتش من الإطار المستعمل بدلا من استخدام المجهود العضلي، ويختلف ثمن هذه الآلة حسب حجمها، لكنه يبدأ في كل الأحوال من ألفي جنيه (400 دولار تقريبا)، كما أن تأسيس ورشة لا يحتاج الكثير، فيكفي أرض مساحتها 50 مترا مربعا، ومعدات بسيطة منها: سكين وشاكوش ومسامير.
أما عن جلب الكاوتش القديم فيتم بطرق عدة، إما بنظام تسريح عمال ميت الحارون في القرى والمراكز المجاورة، بحيث يمكن جلب أكبر عدد من الإطارات المستعملة من المحلات أو من أصحابها مباشرة بكل أنواعها وأحجامها، بدءا من إطارات السيارات الملاكي وحتى إطارات الجرارات واللوادر، أو بالدخول في مزادات شركات السياحة وشركات النقل العام والطيران.
ولا يقتصر أهالي ميت الحارون على "المقاطف"، بل إن حبهم لهذه الصناعة جعلهم يبتكرون منها منتجات أخرى، مثل "الطاقية السلك"، التي تستخدم "لتجبير" الإطارات، أي لسد أي خروقات في الإطارات بحيث يتم استخدامها مرة أخرى، وسيور حمل الحقائب في المطارات أو تستخدم لجرارات الحرث أو مواسير لماكينات ري الأراضي وغير ذلك من المنتجات.
وإذا كان أهل القرية يحلمون بإنشاء ثانوية فنية متخصصة في تدوير الإطارات وجمعية لأصحاب الورش من أهل القرية ومصنع كبير لإعادة التدوير، فقد تحقق على الأقل أحد أحلامهم، حيث أعلنت مجموعة من المصريين في الـ17 من هذا الشهر (أكتوبر2010) من "جمعية النور" الأهلية بمدينة شبرا الخيمة اعتزامهم تأسيس مصنع لإعادة تدوير إطارات السيارات القديمة، فهل تجد أحلامهم الأخرى سبيلها للتنفيذ.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التنمية السياحية

ما هي السياحة المستدامة

تكامل البنية التحتية مطلوب أساس للتنمية المستدامة