التنمية الاقتصادية المستدامة والبطالة .. الحل أم السبب؟

لعل أجلى صور الأزمة الاقتصادية الحالية وأهم نتائجها يتمثل في معدلات البطالة التي أخذت في الارتفاع في مختلف أصقاع الأرض، ومع ذلك فالبطالة ليست مشكلة حديثة أو مستحدثة، بل هي قديمة قدم الأنظمة الاقتصادية وعلم الاقتصاد كما نعرفه اليوم. ولعلنا لا نبالغ في القول إن ادعينا أنها - أي مشكلة البطالة - كانت ومازالت من أكبر المشكلات التي تواجه الحكومات ومن أعقد الظواهر التي تواجه علماء الاقتصاد المتقدمين والمتأخرين. وعلى الرغم من تفاوت المدارس الفكرية في مقاربة هذه المشكلة ودرجة نجاح الحكومات في القضاء عليها فإنه لا يمكن إنكار وجود نوع من التوافق بين المنظرين والممارسين للاقتصاد على أن الحل يكمن في التنمية والمزيد من التنمية، بمعنى أن حل مشكلة البطالة يعتمد ويتمحور حول النمو الاقتصادي الكفيل بإيجاد المزيد من الوظائف، لكن هذا التوافق يجب ألا يمنعنا من النظر في حقيقة التنمية ودورها في رفع مستوى الرفاه الاجتماعي، وفي القضاء أو على الأقل الحد من انتشار واستفحال مشكلة البطالة.

للتنمية مسميات ونظريات كثيرة ومتشعبة ونحن - في هذه المقالة الموجزة - لسنا بصدد تناولها إلا بالقدر الذي يحتاج إليه إيضاح الفكرة. تفرق المدارس الفقهية في شرحها للنمو الاقتصادي بين النمو الذي يسبق حالة الاستقرار الاقتصادي أو حالة التشغيل الكامل للاقتصاد، والنمو الذي يتلو هذه الحالة، ففي المرحلة التي تسبق حالة الاستقرار يتأتى النمو من تشغيل عوامل الإنتاج المعطة (عمالة - رأسمال - أرض أو موارد أولية) عن طريق إقرار إجراءات معينة تضمن تشغيل هذا المورد المعطل، فمثلاً إذا كانت نسبة معينة من الأيدي العاملة معطلة بسبب عدم توافر رؤوس الأموال اللازمة للمشاريع التي توفر فرص العمل وتضمن الاستغلال الكامل والأمثل لهذه الأيدي المعطلة فإن الحكومة عادة ما تستحدث القوانين التي تشجع الاستثمارات الأجنبية على التدفق وإقامة المشاريع التي تستفيد من الإعفاءات وكذلك من استغلال الأيدي العاملة، وتكون نتيجة ذلك نمو الناتج الإجمالي القومي بمعدلات مرتفعة، وانخفاض معدلات البطالة، ووصول الاقتصاد إلى حالة التشغيل الكامل، وفي هذه الحالة يعزى النمو إلى الزيادة في مدخلات عوامل الإنتاج وليس الزيادة في مستوى الإنتاجية.

أما النمو الحاصل بعد وصول الاقتصاد إلى حالة الاستقرار فيقدم علم الاقتصاد نظرية مختلفة. في السابق كان الجدل يدور حول ما إذا كانت عملية النمو الاقتصادي قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية أم أنها تتوقف عند وصول الاقتصاد إلى حالة التشغيل الكامل لعوامل الإنتاج، لكن هذا الجدل توقف بعد أن أثبتت الإحصاءات في كثير من الدول أن عملية النمو لا تتوقف بمجرد وصول الاقتصاد إلى حالة الاستقرار، بل إنها تستمر وإنْ بمعدلات أبطأ، ولكنها معدلات أعلى من معدلات النمو في عوامل الإنتاج الداخلة في العملية الإنتاجية.

وقد اختلف علماء الاقتصاد في تفسير هذا النمو، فذهب البعض إلى أن السبب يرجع إلى التقدم التكنولوجي، فيما ذهب البعض الآخر إلى إرجاع سبب هذا النمو لزيادة كفاءة العملية الإنتاجية بفضل الخبرة المكتسبة من الممارسة المتكررة وتطور مهارات الأيدي العاملة المساهمة في العملية الإنتاجية بفضل التعليم والتدريب المستمر، في حين يذهب الرأي السائد والأكثر قبولاً الآن لدى الغالبية في علم اقتصاد التنمية إلى أن هذا النمو يرجع إلى عامل غير محدد يعبر عنه بمصطلح «العامل الإجمالي للإنتاجية»، وهذا العامل قد يشمل التقدم التكنولوجي والتحسن في مهارات الأيدي العاملة وغيرها من العوامل الأخرى.

أياً كان التفسير والعامل الكامن وراء النمو الاقتصادي بعد الوصول إلى حالة الاستقرار فإن الكل يجمع على أن هذا العامل لا يخرج عن كون العملية الإنتاجية أكثر كفاءة، وهذه الكفاءة عادة ما تكون نتيجة أمرين:

الأول هو التقدم التكنولوجي (Innovation) الذي يجعل عملية الإنتاج أكثر كفاءة وينعكس على التكلفة بتخفيضها أو على الجودة برفع مستواها، ويكون تأثير التقدم التكنولوجي عن طريق استخدام أساليب مطورة لإدارة عملية الإنتاج أو عن طريق استخدام الأنظمة الحاسوبية في عملية التصميم أو التصنيع أو إدارة الجودة، كما يمكن أن يكون عن طريق الميكنة، أي إحلال الآلة محل العنصر البشري في أي مرحلة من مراحل الإنتاج، ما يرفع الجودة ويختصر الوقت ويقلل التكلفة، وعلى الرغم مما لذلك من آثار إيجابية على المنتجين والمستهلكين وكذلك على الاقتصاد الوطني، فإن لذلك أثراً سلبياً أيضاً على الاقتصاد الوطني، حيث إن الاستعانة بأنظمة الحاسوب أو الآلة في العملية الإنتاجية يعني ببساطة أنها ستحتاج إلى عدد أقل من العمالة وعدد أقل من الوظائف، وكلما ارتفع مستوى التقنية في الصناعة قلّت فرص العمل المتاحة، ما يوجد علاقة طردية بين مستوى التقدم التقني في الاقتصاد ومعدل البطالة في صفوف الأفراد، وهذا يضع حكومات الدول المتقدمة في حيرة من أمرها، فمن ناحية يعتبر التقدم التكنولوجي أحد أهم أساسيات التنمية المستدامة، إضافة إلى اعتباره عنصراً مهماً في سباق التنافسية على المستوى العالمي.

ومن ناحية أخرى يعتبر عاملاً أساسياً في ارتفاع مستوى البطالة بسبب الاستغناء المستمر للعنصر البشري لمصلحة العنصر الآلي، وهو ما دفع بدول مثل اليابان (مستوى التقدم التكنولوجي خصوصاً في قطاع الحاسوب والروبوت وصل فيها إلى مستوى يمكنها من الاستغناء عن العنصر البشري بشكل شبه تام) إلى تبني تشريعات تحد من استغلال التكنولوجيا في العملية الإنتاجية لمصلحة العمالة البشرية في محاولة للحد من مشكلة البطالة التي بدأت تشكل مشكلة في اليابان، شأنها في ذلك شأن غالبية الدول المتقدمة التي تعتمد بشكل أساسي على التقنية العالية كمحرك للنمو الاقتصادي.

الأمر الثاني هو التعليم الذي يؤدي إلى زيادة الكفاءة الإنتاجية للعنصر البشري. لقد شغلت عملية النمو الاقتصادي حيزاً كبيراً في علم الاقتصاد، وقد تناولت الكثير من النظريات هذه الظاهرة التي كان التصور والاعتقاد السائد في البداية في المدرسة الكلاسيكية - كما تمت الإشارة إليه - هو أنها (عملية النمو الاقتصادي) غير قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية بالاعتماد على زخمها الذاتي، بمعنى أن اقتصاد أي دولة سينمو فقط في حالة زيادة عوامل الإنتاج الداخلية في العملية الإنتاجية، ولا يمكن للناتج أن يزداد إن لم يزدد رأس المال أو الأيدي العاملة، لذلك فإن النمو الذي تحققه دولة ما يرجع بصفة أساسية إلى مقدرتها على استغلال عوامل الإنتاج بصور أكثر كفاءة، ومن ثم الاقتراب من حالة التشغيل الكامل التي يتم فيها استغلال كل عوامل الإنتاج المتوافرة في الاقتصاد الوطني، ولكن وبعد وصول الكثير من الدول إلى حالة التشغيل الكامل - أو حالة قريبة جداً منها - ومواصلتها النمو وإنْ بوتيرة أبطأ، ثبت عدم دقة النظرية الكلاسيكية للنمو الاقتصادي، ما فتح باب البحث على مصراعيه لتفسير ظاهرة النمو الاقتصادي من جديد. وفي المحصلة ظهرت نظرية النمو المستدام التي تقول إن عملية النمو الاقتصادي قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية متى توافرت ظروف وعوامل معينة، ولعل أهم هذه العوامل التي تضمن عملية النمو المستدام هو تنمية الكادر أو رأس المال البشري والذي لا يتأتى إلا عن طريق التعليم والتدريب المستمر لرفع الكفاءة الإنتاجية لهذا الكادر البشري، ولكن في المقابل فإن هذه الكفاءة لن تأتي من دون تكلفة، والتكلفة التي نعنيها في هذا المقام هي البطالة، إذ إن تشغيل عناصر بشرية أكثر كفاءة في العملية الإنتاجية يعني أنها ستحتاج إلى أيد عاملة أقل، ومن ثم فإن نسبة الأيدي العاملة إلى رأس المال ستميل أكثر فأكثر لمصلحة رأس المال، وهو ما يعني ارتفاع نسبة البطالة أكثر فأكثر. ولتوضيح الصورة نضرب المثل التالي:

لنفرض أن اقتصاداً ما به 10 وحدات من رأس المال، و20 وحدة من العمالة، وكانت نسبة رأس المال / العمالة هي 1 / 2، بمعنى أن كل وحدة من رأس المال في العملية الإنتاجية تحتاج إلى وحدتين من العمالة، ما يعني أنه لا توجد عناصر معطلة، ومن ثم لا توجد بطالة، ولكن لنفرض أن بسبب ارتفاع كفاءة العمالة أصبحت النسبة 1 / 1، بمعنى أن كل وحدة من رأس المال ستحتاج الآن إلى وحدة فقط من العمالة، ما يعني أن 10 وحدات من العمالة سوف لا تجد ما يقابلها من وحدات رأسمال، وهو ما سينعكس على الاقتصاد في صورة بطالة.

وقد واجهت ومازالت الكثير من الدول المتقدمة هذه المشكلة بالفعل، بدليل أنها على الرغم من تحقيقها النمو المستدام فإن ذلك لم ينعكس على وضع البطالة التي بقيت موجودة وبنسب تتراوح في أحسن الأحوال بين 2 و5 بالمئة، على الرغم من المحاولات المتعددة لخفضها، كخفض ساعات العمل من 60 ساعة أسبوعياً في بداية الثورة الصناعية إلى 35 ساعة، وخفض سن التقاعد عن طريق منح امتيازات وحوافز لمن يتقاعد في سن مبكرة نسبياً، ولكن هل يعني هذا ألا تقوم الدول بتطوير صناعاتها وتأهيل كوادرها البشرية؟ بالطبع الجواب هو لا، لكن عملية وسياسات التنمية يجب أن تنصب على المواءمة بين الجانب الاقتصادي والجانب الإنساني والاجتماعي، وهي مسألة صعبة بالتأكيد، ولا أدعي أنني أملك الكثير من الأجوبة لها.

للتواصل مع الكاتب:

n.binghaith@alrroya.com

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التنمية السياحية

ما هي السياحة المستدامة

تكامل البنية التحتية مطلوب أساس للتنمية المستدامة